الفقع بانواعه وفوائده وماقيل عنه

الفقع بانواعه وفوائده وماقيل عنه

لغوياً.. أدبياً.. تراثياً.. علمياً!!

الفقع

خلال فصل الربيع من كل عام يحل على مائدتنا ضيف عزيز،وطعام شهي لا يفوقه في اللذة والندرة شيء عندنا.
إنه (الفقع) أو الكمأ الذي لايختلف على عشقه اثنان في جزيرتنا العربية، وهو هبة الله الخالصة التي لا يتدخلالإنسان في زراعتها أو رعايتها.

والفقع لمن لا يعرفه: فطر بري على شكل درنة كدرنة البطاطس يظهر في الربيع، ويكثر في المواسم التي يهطل فيها المطر باكراً فيفترة (الوسم) التي تعد بداية فصل الشتاء لدينا، وهي تمتد بين منتصف أكتوبر حتىبداية ديسمبر.
ويبدأ موسم التقاط الفقع عادة في أواخر شهر يناير، ويستمر حتىنهاية فبراير، ويمتد أحياناً إلى مارس.
وسنحاول في الموضوع التعرف عن قرب علىهذا الفطر المدلل في المائدة العربية، والتجوال معه في رحلته الطويلة مع العرب.

الفقع في اللغة

للفقع أسماء كثيرة، وهو في الأساس نوع من أنواعالكمأ، وهو الفطر المستدير الذي ينشأ في الطبقة الرملية القريبة من سطح الأرض علىبعد سنتيمترات قليلة.
فالكمأ قديماً هو الاسم الجامع لهذا النوع من الفطر، وإنكان يطلق لدينا الآن على النوع الغامق من الفقع.
والفقع جمع مفرده (فقعة)، وربماجاء الاسم من كونه فقاعة تخرج من الأرض كما تخرج فقاعة الماء منه.

وفي بلادالشام ما زالوا يحتفظون باسم الكمأ لجميع الأنواع، وإن وجدت البعض في الأردن يسمونه (الفرقع) أما في بلاد المغرب فيسمونه (الترفاس)، وهي تسمية قريبة من اسمه فيالفرنسية والإنكليزية (ترافل truffle)، ولا أدري ممن انتقلت الكلمة في الأساس.. هلهي عربية فرنجت أم إفرنجية عربت؟!!
ومفردة (الكمأة) في اللغة تعني الشيءالمستتر.

ونظراً للاعتقاد العامي الخاطئ بأن للرعد دور كبير في نشأة الفقع،فهناك من يلقبه ب (نبات الرعد)، وهو لقب غير منتشر لدينا كما أنه في تراثنا العربي القديم يحمل تسميات أخرى مثل (شجرة الأرض، وبيضة الأرض، وبيضة البلد، والعسقل،وبيضة النعامة) ناهيك عن كون تسمية (الكمأ)، ومفرده (الكمأة)، و(الفقع) هي تسميات فصيحة عرفها العرب منذ الجاهلية.
وقد عرفت الكمأة منذ عهد فجر التاريخ، فلها ذكرعند قدماء المصريين واليونانيين والأفارقة والأوروبيين والهنود الحمروالأسيويين.

الفقع والفقه

وقد وردت في الفقع والكمأ أحاديث عديدة، وذكرتمنافعه، فقد جاء في صحيح البخاري ومسلم عشرة أحاديث تتكلم عن فضل الكمأة، ومنها ماورد عن عمرِو بْنِ نُفَيْلٍ قَالَ سَمِعْتُ النبي صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (الكَمْأَةُ من المَنِّ وماؤُها شفاءٌ للعَيْن). رواه البخاري ومسلم، وكذلك قولهصلى الله عليه وسلم: (الكَمْأَةُ من المَنِّ الذي أَنزَلَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ علىبني إسرائيلَ وماؤُها شفاءٌ للعَيْنِ). رواه مسلم.
وتحدث عن فوائده بعض علماءالعرب، فقال أبو عبيد: (المراد بالكمأة أنها كالمن الذي كان يسقط على بني إسرائيل سهلاً بلا علاج، فهكذا الكمأة لا مجهود فيها ببذر ولا سقي).
وقال ابن سينا: (الكمأة يخاف منها الفالج والسكتة، وماؤها يجلي العين, وهي أصل مستدير لا ساق له،ولا عرق. لونه إلى الغبرة كالقطن يوجد في الربيع تحت الأرض).
وروى الطبري عن جابر قال: (كثرت الكمأة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فامتنع قوم عن أكلها، وقالوا هي جدري الأرض، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أن الكمأة ليست من جدري الأرض ألا أن الكمأة من المن، وماءها شفاء للعين).
وقد أثبتت الدراسات الطبية الحديثة نفع ماء الكمأة في علاج الرمد الحبيبي للعين (التراخوما)،ومنع مضاعفاته من الحدوث، وللأستاذ البحريني د. عبد المجيد الشيخ رسالة شاملة عن الفقع حصل بها على شهادة الدكتوراه من جامعة ولاية أوريغون بالولايات المتحدةالأمريكية.

الفقع في الأدب العربي القديم

قال المرزوقي في (الأزمنة والأمكنة): الفقع ضرب من الكمأة أبيض، فإن استبشر في أول الزمان، وإلا شق الأرض عن نفسه، وظهر ثم يصفر إذا تطاولت به الأيام، واشتد الحر، ولذلك قال الساجع: (إذا طلعت الهقعة أدرستِ الفقعة، وتعرض الناس للقلعة، ورجعوا عن النجعة).

وقال الراعي فيظهور الفقعة من تحت التراب:
بأرضٍ يبن الفقعُ فيها قناعَه
كما أبتنَ شيخ منرفاعةَ أجلحُ
فشبه الفقعة برأس الشيخ لتجردها.

وقال الأصمعي: (ثلاث ربما صرع تأهل البيت عن آخرهم: الجراد، ولحوم الإبل، والفطر،وهو الفقع).
وجاء في أمثال العرب القديمة قولهم: (أذل من فقع بقاع)، وذله أنه لا يمتنع على من اجتناه، وقيل لأنه يداس دائماً بالأرجل، وقيل لأنه لا أصل له ولا أغصان، وفي ذلك قال الكميت بنزيد هاجياً:
هل أنت إلا الفقع فقع القاع للحجل النوافر

وقالوا: (فقع بقرقر)،وهي الأرض المستوية السهلة، فقال أبو جندب الهذلي:
فلا تحسبوا جاري لدي ظلمرخة
ولا تحسبوه فقع قاع بقرقر

وقال آخر:
لن يستطيع امتناعاً فقعقرقرة
بين الطريقة بالبيد الأماليس

وقالت العرب: (الفقع بفتح الفاء وكسرها وسكون القاف: نوع من الكمأة)، وقالوا أن الفقع هو الكمأة الأبيض والأحمر.
وكما ضرب الذل بالفقع ضرب به العز لندرته، وهذا من غرائب تناقضات العربية، فسموا الفقع (بيضة البلد) كما في قول أخت عمرو بن عبد ودٍ ترثي أخاها، وتتأسى بأن قاتله بطل كريم هو سيدنا علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، فتقول:
لو كان قاتل عمروٍ غيرقاتله
بكيته ما أقام الروح في جسدي
لكن قاتله من لا يعاب به
وكان يدعى قديماً بيضة البلد
والمراد أنه لا نظير له.

الفقع في التراث

وفي تراثناالشعبي أقوال متعددة في الفقع، فمنها ما جاء في التحذير من أكله نيئاً حيث أنه قد يسبب عسراً في الهضم مع وجود العوالق الترابية المحيطة به، وفي ذلك يقول المثل الشعبي: (كل رأس الحية، ولا تأكل الفقعة نية)، وقولهم في التحذير من مغبة الإكثار من أكله، وما قد يسببه من أمراض بعكس الجراد الذي يفيد أكثر، فقالوا: (إذا جاء الفقع صر الدوا، وإذا جاء الجراد أنثر الدوا).

وللفقع طريقة في جمعه باستخدام عصى حديدية تشبه المقلاع، ومن الطريف أن بعض الحاذقين بجمع الفقع يزهدون في الأرض التي سبقهم إليها الرجال لأنهم لا يتركون منه شيئاً بينما يسيرون في آثار النساء لأنهن يبحثن عن الفقع، وعيونهن إلى أعلى، وينظرن إلى ما حولهن، وبالتالي فهن قد لايفطن إلى الفقع، ويتجاوزنه!!

وفي الحساب لوقت ظهور الفقع يقول الشاعر والراوي منديل الفهيد:
من الدلايل يعرف الفقع بالرقة
واحسب حساب الوقت ستة بسته
ويقصد الفهيد أن ظهور الفقع سيكون بعد 63يوماً من الوسم الذي يبدأ في منتصف أكتوبر، ويستدل به من نبات الرقة، وهي إحدى تسميات الرقروق.

أنواع الفقع

للفقع لدينا أنواع هي:

  1. الزبيدي
    ولونه يميل إلى البياض، وحجمه كبيرقد يصل إلى حجم البرتقالة الكبيرة، وأحيانا أكبر من ذلك.
  2. الخلاص
    ولونه أحمر،وهو أصغر من الزبيدي، ولكنه في بعض المناطق ألذ وأعلى في القيمة من الزبيدي.
  3. الجباه
    ويسمى الحمّرة أيضاً، ولونه أسود إلى محمر، وهو صغير جداً.
  4. الهبيري
    ولونه أسود، وداخله أبيض، وهذا النوع يظهر قبل ظهور الكمأة الأصلية، ولا يتجاوزحجمه حجم حبة الحمص، وهو يدل على أن الكمأة ستظهر قريباً، ويعتبر الهبيري أردأ أنواع الكمأة، ونادراً ما يؤكل.

والفقع ينمو على هيئة درنات تتفاوت في الحجم،فقد يصغر بعضُها حتى يكونَ في حجم حبَّة الحمص أو يكبُر ليصلَ حجم البرتقالة، وقد يتجاوزه ليملاً الكف.
وللعرب في أنواع الفقع مقولة طريفة هي: ( الزيبدي للوليدي،والخلاصي قناد راسي، والحمّره للمره)!!.

ومن طرق حفظه قديماً تقطيعه على شرائحثم تجفيفه على بيوت الشعر أو سقوف المنازل في الهواء الطلق لاستعماله خلال فترةالصيف.

طهي الفقع

  1. وللفقع طرق متعددة للطهي، ولعل أشهرها لدينا:
  2. يشوىالفقع بنفس طريقة شوي الكستناء، فيوضع على النار، وعندما يبدأ الماء الذي بداخله فيالخروج ينز نزاً يكون قد قارب على الاستواء، فيذر عليه الملح، ويؤكل مع الخبز أو مندونه.
  3. يحمس الفقع بالزيت مع البصل، وقد يضاف الطماطم
  4. يكبس الفقع معالرز، وقد تضاف إليه قطع من اللحم.
  5. يسلق الفقع، ويتبل ويملح ويؤكل، وقد يؤكل مسلوقاً مع شحم الغنم أو الإبل كما يصنع منه حساء جيد.
  6. تفنن الفرنسيون في إعداد الفقع، حيث خلطوه مع أكباد بعض الطيور مثل البط والإوز والدجاج، واستخدم البريطانيون طريقة للاستفادة من الفقع في تصنيع أنواع جيدة من الجبن كما استخدم في إضافته للشوكولاته.

أماكن تواجد الفقع

الفقع فطر متطفل يحتاج إلى نبات يعوله، وهو مثل فطر الخبز الذي لا يتواجد إلا قرب الخبز، وكذلك الفقع فهو يتطفل علىجذور أشجار محددة لعل أشهرها (الرقروق)، والتي تسمى أيضاً (الرقة)، وهي شجيرة صغيرةالحجم تشبه أغصانها أغصان الزعتر، ولو أنها أصغر منها، ويتطفل الفقع أيضاً علىأشجار (الصخبر).

ويتواجد الفقع في الأراضي التي لا يكثر وطء الناس لها سواء كانتجبلية أو رملية ما عدا أراضي السبخ الملحية, وإذا اكتمل نموه يقوم بشق الأرض،والبروز إلى السطح, وفي أكثر الحالات يظل تحت سطح الأرض ولكنه يترك شقوقاً على ظهرالأرض، وقد يعلو سطح الأرض، وعندها تسمى الفقعة (مصلعة)، وجمعها (مصاليع).

ويتواجد الفقع أو الكمأة بكثرة في صحاري دول الجزيرة العربية والخليج العربي، والعراق، والشام، وسيناء، وبلاد المغرب.

وتوجد أنواع من الفقع في غابات بعض الدول الأوربية، وخاصة في جنوب ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، وفي كاليفورنيا بأمريكا حيث يتطفل الفقع على جذور بعض الأشجار العملاقة كالبلوط مثلاً، وتعد الكمأةالسوداء أشهى الأنواع المعروفة في أوروبا، وهم يسمونها (الماس الأسود).

وفي فرنسا يفخرون أن فطرَهم من أجود أنواع الفطريات، فيجمعونه، ويستهلكونه، وقد يصدرون منه حيث يتراوح إنتاجهم من الفقع بين مائتي طن وثلاثمائة سنوياً، وقد درب الفرنسيون لجمع الفقع كلاباً خاصَّة وخنازير تتعرف عليه من رائحته المميز، ويمكن للكلب المدربأن يشم رائحة الكمأة على بعد يتراوح بين 30 و 50متراً وخاصة الأصناف ذات الرائحة النفاذة، وأيضا الأصناف السطحية غير المتعمقة تحت سطح الأرض، ويرجع استخدام الكلاب في البحث عن الكمأة إلى القرن الخامس عشر حيث دربها الايطاليون، وخاصة الأنواع الرومية بينما لا تصلح كلاب الصيد لهذا الغرض، وفي أوروبا يتم تدريب حيوانات أخرى،وفي ضواحي موسكو دربوا الدببة على التنقيب عن الكمأة منذ حوالي 150عاماً.
ومن الطريف ما تناقلته الأخبار مؤخراً عن بيع إحدى أكبر درنات الفقع مقابل 230 ألفدولار في مزاد أقيم في الوقت نفسه في مكاو ولندن وفلورنسا، ويبلغ وزن تلك الفقعة العملاقة (واحد ونصف كيلوغرام)، وتعد هذه أكبر فقعة منذ أن وجد فطر يزن 2.5كيلوغرام سنة 1954م، وأهديت حينئذ للرئيس الأميركي أيزنهاور.

الفقع من الجهة العلمية

الكمأة (الفقع) من الفطريات كبيرة الحجم. التي تنمو تحت سطح الأرض حيث لابد من وجود نباتات أو أعشاب صحراوية (كمأ الصحراء) أو لابد من أشجار (كمأة الغابات) لتنمو على جذورها مكونة معها نوعاً من أنواع المنفعة المتبادلة، والعلاقة بينهما – الكمأة والجذور – علاقة تطفل بين عائل ومعيل دون أن ينتج منها ضرر ما على الطرفين، وتعتبر فطريات الكمأة إجبارية التطفل حيث لا تنمو منفردة، ولذلك لا يمكن زراعة الكمأة على بيئات صناعية.

ينتمي الفقع إلى الفطريات الزقية رتبة (tuberales)، وهو على شكل درنات أرضية تحتوي على نسبة عالية من البروتين في المتوسط (20 %) أما الدهون فتمثل (3 %) والنشويات والسكريات (13 %) والألياف (10 %)،والبقية ماء، وفي تحليل آخر وجد أن الفقع في بعض أنواعه يحتوي على (9 % بروتين – 13 % سكاكر – 1 % دهون) كما أنه يحتوي على العديد من العناصر المعدنية أعلاها نسبةالبوتاسيوم، وهذه المعادن هي: (الكالسيوم، والماغنسيوم، والفسفور، والصوديوم،والبوتاسيوم، والحديد، والمنجنيز، والنحاس، والزنك) ويعتبر الفقع مقويا عاماً،والفقع غني بفيتامين ب كما يحتوي على كمية من النيتروجين بجانب الكربون، والأكسجين،والهيدروجين، وهذا ما يجعل تركيبه شبيهاً بتركيب اللحم.

الفقع وفوائده الطبية

أثبتت دراسة طبية على مرضى التراخوما أن ماء الكمأة أدى إلى نقص شديد في الخلايا الليمفاوية، وندرة في تكوين الألياف بعكس الحالات الأخرى التي استخدمت فيها المضادات الحيوية، وقد استنتج أن ماء الكمأة يمنع حدوث التليف في مرض التراخوما،وبالتالي فهو يمنع من حدوث مضاعفات التراخوما أو الرمد الحبيبي. وبالإضافة على علاج العين، وهذا مصداق لما ورد في السنة النبوية المطهرة.

وهناك استعمالات أخرى للفقع حيث يستعمل لعلاج هشاشة الأظافر، وسرعة تكسرها أو تقصفها، وتشقق الشفتين، واضطراب الرؤية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى